جمهورية مهاباد 1946

في 22 كانون الثاني/يناير 1946 أُعلنت في مدينة مهاباد شمال غربي إيران سلطة كوردية بقيادة قاضي محمد، عُرفت باسم جمهورية مهاباد أو جمهورية كوردستان في مهاباد. لم تستمر التجربة عامًا كاملًا: في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه عادت القوات الإيرانية إلى المدينة، وفي 31 آذار/مارس 1947 أُعدم قاضي محمد وعدد من قادتها. ورغم قصر عمرها، بقيت مهاباد واحدة من أكثر التجارب السياسية تأثيرًا في الذاكرة الكوردية الحديثة. هذا الملف يفصل بين ما تقوله الوثائق وما تقوله الذاكرة. إيران والحرب العالمية الثانية في آب/أغسطس 1941 دخلت القوات البريطانية والسوفيتية إيران، وأصبح شمال البلاد ضمن منطقة النفوذ العسكري السوفيتي. أدى ضعف سيطرة الحكومة المركزية في أجزاء من الشمال الغربي إلى ظهور مساحة سياسية لم تكن موجودة سابقًا. وتُظهر وثائق وزارة الخارجية الأمريكية من عام 1945 أن الحكومة الإيرانية واجهت صعوبة في إعادة قواتها إلى مهاباد، وأن السلطات السوفيتية عارضت تحرك القوات الإيرانية إلى المنطقة، كما تشير إلى وجود قوة كوردية مسلحة مؤثرة في المدينة ومحيطها. هذه الظروف لم تُنشئ الحركة القومية الكوردية من الصفر، لكنها وفّرت بيئة استثنائية سمحت لها بالتحول إلى تجربة سياسية أكثر تنظيمًا. الحركة السياسية قبل الجمهورية لم تبدأ السياسة الكوردية في مهاباد عام 1946. فقد ظهرت قبل الإعلان تنظيمات ونشاطات سياسية وثقافية، من بينها «كۆمەڵەی ژیانەوەی کوردستان» أي جمعية إحياء كوردستان. وفي 1945 ظهر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في إيران بقيادة قاضي محمد. كان قاضي محمد ينتمي إلى أسرة ذات مكانة دينية وقضائية في مهاباد، وأصبح الشخصية السياسية المركزية في المشروع الجديد. الإعلان ونطاق السلطة في 22 كانون الثاني/يناير 1946 أُعلنت الجمهورية وأصبح قاضي محمد رئيسًا لها، وشُكلت مؤسسات إدارية وسياسية وعسكرية لإدارة المناطق الخاضعة لسلطتها. لكن نفوذ الجمهورية كان محدودًا جغرافيًا ولم يشمل جميع المناطق الكوردية في إيران. كانت تجربة محلية ذات طموح قومي أوسع، عملت ضمن نطاق ضيق وفي ظروف دولية شديدة التعقيد. تاريخ الإعلان: 22 كانون الثاني 1946 — الرئيس: قاضي محمد — نهاية الحكم الفعلي: كانون الأول 1946 — الاعتراف الدولي: لم تحصل على اعتراف واسع هل كانت دولة مستقلة؟ تستخدم مصادر كوردية كثيرة تسمية «جمهورية كوردستان»، بينما يستخدم جزء كبير من الأدبيات الأكاديمية تسمية «جمهورية مهاباد». وهناك نقاش تاريخي حول مدى سعي قيادتها إلى الاستقلال الكامل مقارنة بالمطالبة بالحكم الذاتي والحقوق القومية داخل إيران. المؤكد أن الجمهورية أقامت إدارة كوردية فعلية لفترة قصيرة، لكنها لم تحصل على اعتراف دولي واسع بوصفها دولة ذات سيادة. هل كانت مهاباد أول دولة كوردية؟ يتكرر وصف جمهورية مهاباد بأنها «أول دولة كوردية في التاريخ»، وهو وصف غير دقيق. فقد عرف التاريخ قبلها إمارات وكيانات سياسية كوردية تمتعت بدرجات مختلفة من الحكم الذاتي أو شبه الاستقلال، مثل إمارات بدليس وأردلان وبابان وسوران وبوطان في القرون السابقة. الأدق أن مكانة مهاباد ترتبط بكونها إحدى أبرز التجارب الجمهورية القومية الكوردية الحديثة: كيان أعلن نفسه جمهورية، بمؤسسات وإدارة ولغة رسمية كوردية، ضمن إطار فكري قومي حديث. أما وصفها بلا تحفظ بأنها «أول دولة كوردية» فيتجاهل تاريخًا سياسيًا كورديًا أقدم. قاضي محمد لم يكن قاضي محمد قائدًا عسكريًا تقليديًا بقدر ما كان شخصية دينية وقضائية وسياسية ذات نفوذ اجتماعي عميق في مهاباد. وتصف وثيقة دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 29 نيسان/أبريل 1946 قاضي محمد بأنه قائد حركة استقلالية في مواجهة الحكومة المركزية الإيرانية، وكانت واشنطن حذرة من أي خطوة تُفسَّر تأييدًا أمريكيًا لدولة كوردية مستقلة. عند كتابة التاريخ يجب التفريق بين المعلومات الموثقة وبين الأقوال والوصايا المنسوبة إليه لاحقًا؛ كثير من العبارات المتداولة باسمه تحتاج إلى مصدر أصلي. مصطفى بارزاني ومهاباد بعد الصراع مع الحكومة العراقية انتقل بارزاني ومجموعة من المقاتلين الكورد من العراق إلى إيران، وأصبحوا قوة عسكرية مهمة مرتبطة بالجمهورية. من المهم عدم الخلط بين الدورين: قاضي محمد كان الزعيم السياسي ورئيس الجمهورية، ومصطفى بارزاني من أبرز قادتها العسكريين وحلفائها. وبعد الانهيار لم يستسلم بارزاني، بل عبر مع مئات من رفاقه الحدود ووصل إلى الاتحاد السوفيتي عام 1947. وتفيد المراجع الأكاديمية بأن بارزاني بقي في الاتحاد السوفيتي عدة سنوات بعد 1947، ولم يعد إلى العراق إلا بعد ثورة 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، ليستأنف بعدها نشاطه السياسي والعسكري في كوردستان العراق. اللغة والثقافة الكوردية من أهم جوانب التجربة اهتمامها باللغة والثقافة الكوردية، وتذكر المراجع أن مطبعة مرتبطة بالجمهورية أنتجت صحفًا ومجلات ومواد بالكوردية. التعليم باللغة الكوردية — الصحافة والنشر — إصدار مواد ثقافية وأدبية — الترجمة والكتابة بالكوردية دور الاتحاد السوفيتي من الخطأ القول إن الاتحاد السوفيتي لم يكن له دور في ظهور الظروف التي سمحت للجمهورية بالوجود، ومن التبسيط أيضًا القول إنها لم تكن سوى مشروع سوفيتي بلا جذور كوردية محلية. وجود الجيش السوفيتي حدّ من قدرة طهران على فرض سيطرتها، ووفّر حماية غير مباشرة للسلطة الكوردية المحلية، وتوثق المراسلات الدبلوماسية الأمريكية عام 1946 تحركات عسكرية سوفيتية واسعة في شمال غرب إيران بما فيها اتجاه مهاباد. مهاباد نتيجة تفاعل حركة قومية كوردية محلية مع ظرف دولي استثنائي — لا نتيجة أحدهما وحده. أزمة إيران 1946 والضغط الدولي لم تكن مهاباد حدثًا محليًا معزولًا، بل جرت داخل واحدة من أولى أزمات ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نصّت الترتيبات المتفق عليها بين الحلفاء على انسحاب القوات الأجنبية من إيران خلال مهلة محددة بعد انتهاء الحرب، وهو ما التزمت به القوات البريطانية والأمريكية. أما القوات السوفيتية فتأخر انسحابها من شمال إيران بعد الموعد المتفق عليه في آذار/مارس 1946، فتحوّلت المسألة إلى نزاع دولي طُرح على الأمم المتحدة الفتية وأصبح أحد أوائل احتكاكات الحرب الباردة. وتوثق مجلدات «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» (FRUS) لعام 1946 مراسلات أمريكية في آذار/مارس من ذلك العام تطلب من موسكو توضيحات بشأن بقاء قواتها وتحركاتها في إيران، وتعبّر عن قلق واشنطن من الوضع في الشمال الغربي. هذا الضغط الدولي، وما تلاه من ترتيبات بين طهران وموسكو، أفضى إلى انسحاب سوفيتي خلال أشهر. وبزوال الغطاء العسكري الذي كان يحدّ من حركة الجيش الإيراني، تغيّر ميزان القوى على الأرض تغيّرًا حاسمًا بالنسبة لمهاباد. لماذا سقطت الجمهورية؟ لا يمكن تفسير السقوط بسبب واحد؛ تداخلت عوامل عدة: انسحاب القوات السوفيتية من إيران خلال 1946 وتغيّر ميزان القوى. — محدودية المساحة والنفوذ الجغرافي للجمهورية. — الانقسامات والمصالح القبلية وتغيّر مواقف بعض القوى. — ضعف الموارد الاقتصادية والعسكرية أمام الجيش الإيراني. — تغيّر البيئة الدولية مع بداية التوتر بين الشرق والغرب. في كانون الأول/ديسمبر 1946 دخلت القوات الإيرانية مهاباد، وتشير المصادر إلى أن الجمهورية لم تخض معركة ن