ديانات الكورد

عندما يُذكر الشعب الكوردي، غالبًا ما يرتبط الحديث باللغة والجغرافيا والتاريخ والسياسة، لكن جانبًا مهمًا من الهوية الكوردية لا يحظى دائمًا بالشرح الكافي: التنوع الديني والمذهبي. فالكورد ليسوا جماعة دينية واحدة، ولم تكن الهوية الكوردية عبر التاريخ مرتبطة بعقيدة واحدة. عاشت المجتمعات الكوردية ضمن بيئة جغرافية واسعة شهدت ظهور وانتشار ديانات ومذاهب متعددة، فتركت هذه التعددية أثرًا واضحًا في تاريخ المنطقة وثقافتها. هذه الصفحة تعرض هذا التنوع كما هو: أكثريةً سنّية اليوم، وإلى جانبها إرثٌ ديني متعدد لا يمكن اختزاله. خارطة عامة الأكثرية: الإسلام السنّي، وغالبًا على المذهب الشافعي — وهو ما ميّز الكورد عن محيطهم الحنفي في أحيان كثيرة. — ديانات كوردية المنشأ: الإيزيدية واليارسانية (كاكائية / أهل الحق) — تقاليد دينية ارتبطت تاريخيًا بمجتمعات كوردية بعينها. — مذاهب إسلامية أخرى: العلوية في مناطق واسعة من كوردستان الشمالية، والتشيّع الاثني عشري في مناطق شرقية وجنوبية. — حضور تاريخي وحديث: مسيحيون في المدن والسهول، وإرث زرادشتي قديم، وعودة رمزية إليه في العقود الأخيرة، إلى جانب تجارب لادينية معاصرة. لا توجد إحصاءات دينية دقيقة وحديثة لعموم المناطق الكوردية؛ معظم الأرقام المتداولة تقديرية. لذلك نتحدث هنا عن انتشار ونِسَب عامة، لا عن أعداد محسومة. الإسلام السنّي الإسلام السنّي هو الديانة الأكثر انتشارًا بين الكورد اليوم، ودخل المناطق الكوردية تدريجيًا بعد الفتوحات الإسلامية، ثم ترسّخ عبر قرون من التعليم الديني والمؤسسات المحلية. من أبرز خصائصه الكوردية غلبة المذهب الشافعي، وحضور الطرق الصوفية — النقشبندية والقادرية خصوصًا — التي لعبت أدوارًا اجتماعية وسياسية كبيرة، إذ كانت التكايا والمدارس الدينية مراكز تعليم وحلّ نزاعات وقيادة محلية، لا أماكن عبادة فحسب. الإيزيدية الإيزيدية ديانة توحيدية قائمة بذاتها، لها نصوصها وطقوسها ونظامها الاجتماعي الخاص، ويتمركز ثقلها التاريخي في شنكال (سنجار) وشيخان ولالش، مع جاليات في القوقاز وأوروبا. تقوم على إيمان بإله واحد خالق، ولها بنية دينية موروثة تقوم على طبقات دينية وارتباط بالنسب. لالش مركزها المقدّس ووجهة زيارتها السنوية. تعرّض الإيزيديون عبر التاريخ لحملات عنف متكررة، وكان أشدّها في العصر الحديث ما ارتكبه تنظيم داعش في شنكال عام 2014، وهو ما اعترفت به جهات دولية بوصفه إبادة جماعية. اليارسانية (كاكائية / أهل الحق) اليارسانية تقليد ديني باطني يُعرف أيضًا بأهل الحق، ويُطلق على أتباعه في العراق اسم الكاكائية. ينتشر في مناطق من كرمانشاه ولورستان وكركوك وحلبجة وسهل نينوى. لها نصوص شعرية مقدّسة بلغة كوردية (الگورانية أساسًا)، وطقوس خاصة تتضمّن مجالس ذكر وموسيقى بآلة الطنبور، وتعاليم داخلية تُنقل ضمن الجماعة. كثير من أتباعها يعيشون بحذر إزاء الإفصاح العلني عن هويتهم الدينية بسبب ضغوط تاريخية. العلوية الأناضولية يشكّل الكورد العلويون مكوّنًا مهمًا في كوردستان الشمالية (تركيا)، خصوصًا في درسيم (تونجلي) ومناطق مجاورة، ويتحدث كثير منهم الزازاكية أو الكرمانجية. تتميّز الممارسة العلوية بمجالس «الجَم» بدل المسجد، وبدور «الدَده» المرشد الروحي، وبحضور الموسيقى والشعر في العبادة، وبتأويل باطني للنص الديني. وقد ارتبط تاريخ المجتمعات العلوية الكوردية بأحداث قمع كبرى، أبرزها أحداث درسيم في ثلاثينيات القرن العشرين. التشيّع يوجد كورد شيعة اثنا عشرية في مناطق من كوردستان الشرقية (إيران) وفي الجنوب، ومن أبرزهم الفيليون الذين يتوزعون تاريخيًا على جانبي الحدود العراقية الإيرانية. تعرّض الكورد الفيليون في العراق لحملات تهجير وتجريد من الجنسية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وهي من أوضح الأمثلة على تقاطع الهوية القومية والمذهبية في سياسات الدولة. الحضور المسيحي المناطق الكوردية جزء من جغرافيا مسيحية قديمة جدًا، عاشت فيها كنائس شرقية (كلدانية وسريانية وآشورية وأرمنية) قرونًا طويلة في المدن والسهول والقرى الجبلية. هذه المجتمعات ليست كوردية بالضرورة من حيث الهوية القومية، لكنها جزء أصيل من النسيج الاجتماعي للمنطقة، وقد تقلّصت أعدادها كثيرًا خلال القرن العشرين بفعل المجازر والحروب والهجرة. كما توجد أعداد محدودة من الكورد الذين اعتنقوا المسيحية في العقود الأخيرة. الإرث الزرادشتي والاتجاهات المعاصرة تنتمي اللغات الكوردية إلى العائلة الإيرانية، وهي العائلة نفسها التي ارتبطت بها الزرادشتية تاريخيًا، ما ترك آثارًا ثقافية عامة يمكن ملاحظتها في تقاليد مثل الاحتفال بنوروز ورمزية النار والنور. القول إن «الكورد كانوا زرادشتيين» بوصفه حقيقة قاطعة تبسيطٌ مخلّ. الأدق أن المنطقة كانت جزءًا من فضاء ديني إيراني واسع ضمّ الزرادشتية وغيرها من التقاليد. أما ظهور جماعات زرادشتية معاصرة في إقليم كوردستان منذ عام 2015 تقريبًا فهو ظاهرة حديثة محدودة العدد، ذات بُعد هوياتي ورمزي واضح. إلى جانب ذلك توجد اليوم تجارب فردية لادينية أو لاأدرية، خصوصًا بين فئات شابة ومدينية، وهي جزء من التحولات الاجتماعية الجارية لا انقطاعًا عن الهوية الكوردية. خلاصة الإسلام السنّي هو الديانة الأكثر انتشارًا بين الكورد اليوم، لكن المجتمع الكوردي يضم إرثًا دينيًا متنوعًا يشمل الإيزيدية واليارسانية والعلوية والتشيّع، إلى جانب حضور مسيحي وإرث زرادشتي وتجارب دينية وغير دينية أخرى. الكورد ليسوا أبناء عقيدة واحدة؛ إنهم مجتمع ذو تاريخ وثقافة وهوية مشتركة، وفي داخله تنوع ديني ومذهبي واسع.