الدولة أم الحزب؟ متى تصبح المؤسسات ملكًا للجميع
يمكن للحزب أن يكون قويًا: تاريخ طويل، وأنصار كثيرون، وفوز في الانتخابات مرة بعد مرة. لكن هناك خطًا يجب ألا تتجاوزه أي قوة سياسية، وهو أن الدولة ليست ملكًا للحزب الذي يحكمها. الحكومات تتغير، والأحزاب تفوز وتخسر، والقادة يأتون ويرحلون. أما الدولة فتبقى، ومؤسساتها يجب أن تبقى ملكًا لجميع المواطنين. تناولنا في مقال سابق السؤال الأوسع: [كيف تُبنى دولة عادلة تحترم مواطنيها؟](https://medkurd.com/post/143734d7-9834-400e-a1e1-7306efe75d35) — وهنا نطرح السؤال التطبيقي الذي يليه: كيف نمنع الحزب من التحوّل إلى الدولة نفسها؟ ## التوظيف: بطاقة الحزب ليست شهادة كفاءة  تخيل شابين تخرجا من الجامعة نفسها؛ الأول متفوق ولديه الخبرة المطلوبة، والثاني أقل كفاءة لكنه يملك علاقات سياسية أقوى. إذا حصل الثاني على الوظيفة بسبب تلك العلاقات، فالمتضرر ليس الشاب الأول وحده، بل الدولة كلها، لأنها اختارت الولاء بدل الكفاءة. الموظف الكفء يبني مؤسسة، أما التعيين على أساس المحسوبية فيبني شبكة ولاءات. والفرق بينهما هو الفرق بين دولة تعمل للمواطن، ودولة يحتاج فيها المواطن إلى وسيط ليصل إليها. وهذه ليست ملاحظة نظرية. ففي دراسة لمعهد **Chatham House** بعنوان *"Politically sanctioned corruption and barriers to reform in Iraq"* (توبي دودج ورناد منصور، 2021)، يخلص الباحثان إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة بعد 2003 «أدّت إلى تثبيت تحالف نخبوي استولت فيه الأحزاب السياسية على مؤسسات الدولة الرسمية وأضعفتها»، وأن السلطة الفعلية «لا تكمن في مؤسسات الدولة الرسمية الشفافة، بل لدى الأحزاب السياسية والموالين لها». المصدر: <https://www.chathamhouse.org/2021/06/politically-sanctioned-corruption-and-barriers-reform-iraq> هذه ظاهرة عراقية عامة وليست خاصة بكردستان، لكنها تعني أن السؤال المطروح على الإقليم ليس «هل الكرد قادرون على بناء دولة؟» — بالطبع قادرون — بل: هل نستطيع بناء مؤسسات أقوى من الأحزاب التي أنشأتها أو أدارتها؟ ## المال العام: من يدفع راتب الموظف؟ راتب الموظف الحكومي لا يدفعه الحزب؛ إنه يأتي من المال العام، والمال العام يعود إلى المجتمع كله. لذلك فالطبيب في المستشفى الحكومي لا يعمل لحزب، والمعلم في الصف لا يمثل حزبًا، والموظف الذي يوقّع معاملة المواطن لا ينبغي أن يسأله لمن صوّت. الموظف العام يخدم الدولة، والدولة تخدم الجميع. وهذه القاعدة تنطبق على كل مواطن — مؤيدًا كان أم معارضًا أم غير مهتم بالسياسة أصلًا — سواء كان كرديًا أو عربيًا أو تركمانيًا أو آشوريًا، مسلمًا أو مسيحيًا أو من دين آخر، ومن [أي مدينة في كردستان](https://medkurd.com/post/b6836fa6-0ac7-4ef1-87c1-4adbeca6cb72): أربيل أو السليمانية أو دهوك أو حلبجة. ## البيشمركة: لمن يحمل المقاتل السلاح؟  للبيشمركة مكانة كبيرة في التاريخ الكردي، وقد دفع مقاتلوها أثمانًا باهظة في مواجهة الحروب والإرهاب. واحترام هذه التضحيات يقود إلى سؤال مؤسساتي لا حزبي: لمن يجب أن تتبع القوات المسلحة في دولة حديثة؟ الجواب الطبيعي هو: للدولة. وهذا بالضبط هدف برنامج إصلاح البيشمركة المعلن. ففي تحليل لـ**معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)** بعنوان *"Peshmerga reform hangs in the balance in Iraq's Kurdistan Region"* (2023)، يُذكر أن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا أطلقت عام 2017 برنامجًا للإصلاح توصّلت فيه إلى اتفاق من 35 نقطة مع حكومة إقليم كردستان لبناء قوة دفاعية «قوية ومهنية»، يتضمن إدخال الوحدات الحزبية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني — المعروفة بـ«وحدة 80» و«وحدة 70» — تحت وزارة شؤون البيشمركة، وإنهاء ظاهرة «الموظفين الوهميين»، واعتماد آليات تجنيد جديدة تُنهي المحسوبية. المصدر: <https://mei.edu/publication/peshmerga-reform-hangs-balance-iraqs-kurdistan-region/> توحيد البيشمركة الحقيقي، إذن، ليس انتصارًا لحزب على حزب، بل انتصار للمؤسسة نفسها. فالقوات المسلحة لا ينبغي أن تتغيّر هويتها بتغيّر الحزب الحاكم، ولا ينبغي أن يشعر المقاتل أن ولاءه لمكتب سياسي أعلى من ولائه للقانون والمؤسسة التي يرتدي زيها. ## الشرطة والأمن: مواطن، لا ناخب المبدأ نفسه ينطبق على الشرطة والأجهزة الأمنية. رجل الشرطة الذي يقف في الشارع يجب أن يرى أمامه مواطنًا لا ناخبًا، وجهاز الأمن يجب أن يحمي المؤيد والمعارض على حد سواء. إذا ارتكب شخص جريمة، يُحاسب على الجريمة. أما رأيه السياسي فلا ينبغي أن يمنحه حصانة، ولا أن يحوّله إلى مشتبه به. الدولة القوية لا تحتاج إلى معرفة الحزب الذي يؤيده المواطن لكي تعرف كيف تتعامل معه؛ يكفي أن تعرف القانون. ## الاختبار الأهم: هل يستطيع الموظف أن يقول «لا»؟  هناك اختبار لقوة المؤسسات لا نتحدث عنه كثيرًا: ماذا يحدث عندما يطلب الحزب من موظف حكومي شيئًا يخالف القانون؟ هل يستطيع أن يقول: «لا، القانون لا يسمح بذلك»؟ إذا كان يستطيع قولها دون خوف على وظيفته أو مستقبله، فلدينا مؤسسة. أما إذا كان يعلم أن الرفض قد يكلّفه منصبه، فالمشكلة أكبر من ذلك الموظف بكثير، لأن السلطة الحقيقية عندها ليست موجودة حيث يقول القانون إنها موجودة. ## الحزب القوي لا يحتاج إلى دولة ضعيفة قد يعتقد البعض أن فصل الحزب عن مؤسسات الدولة يعني إضعاف الأحزاب، والعكس هو الصحيح. الحزب الحقيقي يعيش بقوة أفكاره وبرنامجه وثقة ناخبيه: ينجح في الانتخابات فيحكم، ويفشل فيذهب إلى المعارضة، ثم يصل حزب آخر إلى الحكومة فتبقى الشرطة والجامعات والمحاكم والوزارات تعمل كما كانت. هذا المقال ليس دعوة لمحاربة الأحزاب ولا لإنكار تاريخها أو تضحيات أعضائها. [الشعب الكردي](https://medkurd.com/post/34949e10-6502-4f25-acf4-5da128e14aac) يحتاج إلى أحزاب سياسية قوية ومتنوعة كما تحتاج أي ديمقراطية، لكنه يحتاج أكثر إلى دولة أقوى من تلك الأحزاب مجتمعة: أحزاب تتنافس على تحسين التعليم والصحة والاقتصاد، وعلى البرامج وثقة الناخب، ثم يعود الجميع بعد الانتخابات إلى قانون واحد. ## الاختبار الحقيقي تخيل أن الحزب الذي لا تحبه فاز بالانتخابات غدًا. هل ستشعر بالأمان لأن المؤسسات والقوانين ستمنعه من استخدام الدولة ضدك؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلدينا مؤسسات قوية. وإذا كانت لا، فالمشكلة ليست في الحزب الذي فاز، بل في النظام الذي سمح لأي حزب بأن يمتلك من القوة ما لا ينبغي أن يمتلكه. الإنجاز الأكبر بعد عقود من النضال ليس امتلاك مبانٍ ومؤسسات تحمل أسماء رسمية، بل أن تصبح هذه المؤسسات مستقلة بما يكفي لتبقى قوية مهما تغيّر الحكام: أن يتقدّم ابن المسؤول وابن المواطن العادي إلى الوظيفة بالشروط نفسها، وأن يدخل المعارض والمؤيد الدائرة الحكومية من الباب نفسه، وأن يحمل رجل الأمن القانون لا بطاقة الحزب، وأن يعرف المسؤول أنه يدير المؤسسة لفترة محدودة لكنه لا يمتلكها. عندها لن نسأل: هذه المؤسسة تابعة لمن؟ لأن الإجابة ستكون واضحة: للدولة. والدولة ملك لجميع مواطنيها.